الأربعاء، 24 يونيو 2009

فوبيا الجسد الانثوي ...قراءة في سايكولوجية زواج الطفلات

فوبيا[1] الجسد الأنثوي ..قراءة في سيكولوجيا زواج القصّر
اعداد : د.ناهد محمّد الحسن
مقدّمة:
يروي التمثال الموجود بمتحف السّودان القومي[2] والّذي يصوّرالمناطق ذات الدلالات الجنسيّة في الوعي المروي القديم , من ثديين وبطن مستديرة وردفين وكفل بالإستدارة الكاملة والكافية للتأسيس الجنسي ..قصّة الجمال المروي والتقديس المصاحب للمرأة والأرض بإعتبار أنّها قابضة على أسرار الحياة..وإستمرار هذه المناطق بمواصفات إمتلاء محدّدة ظل يشكّل مبرّرات الإنجذاب الجنسي للنّسوة المثال ..والّذي لا يرى فيه التطوّريّون أكثر من حيلة تقوم بها الطّبيعة الأم للحفاظ على النّوع الإنساني تحت ما يعرف ببيولوجيا الجمال ,حيث يرى علماء وظائف الأعضاء أنّ النّساء المرغوبات بهذه المواصفات يمتلكن توزيع معيّن للشحوم يمنحهن هذا الشكل ويدلّل على خصوبتهن!ولقد مضى وقت طويل مذ كان الإنسان يكتشف الكون ويخلق قيمه المعرفية عبر غرائزه .فلقد قادته الأديان والفلسفات التي تحمل خبرات وتجارب روحيّة مختلفة إلى أسرار الإنفلات الإنساني من أسر الرغائب البشريّة الملحّة فوقعوا على نوع جديد من المعارف ..حيث اختبروا التنوّر والإستبصار وتغيّرت وفقا لذلك قيمهم المبنيّة على معارف علميّة جديدة. وصار الحب هو رغبة حقيقيّة في معانقة أكثر وأبعد من الجسد , نحو مضاجعة الرّوح والفكر والحّس ..اللّقاء ذو الحضور الأكمل.وإكتسب الزواج أبعادا جديدة ليست النمط التقليدي لعلاقة التبعيّة-التسلّط في النّمط الزواجي العلائقي التقليدي.يحتوي على تصوّر جديد للزواج قائم على مفهوم الشراكة الحقيقيّة, مبني على علاقة انسانيّة حقيقيّة تكفل الحقوق للطرفين وتقوم فيه المرأة بأدوار حيويّة عديدة , تؤكّد عبرها كفاءتها وتكتشف عبرها جدوى كل الأعضاء الأخرى التي تمتلكها , والتي عاق اكتشافها تاريخ طويل من الإستلاب الجنسي والإقتصادي والفكري, لم تكن المرأة فيه أكثر من رحم كبير يتبلور حوله وجودها وفهمها لذاتها وتقدير الآخرين لها. وفي عصر القرية الكونية هذا والتغيّرات الخاطفة والسّريعة , وقبل أن تصل مؤسّسة الزواج والأسرة إلى منتهى نضجها التجريبي ,ظهرت بوادر الكفر البواح بهذه المؤسّسات التقليديّة , بشكل وصلت حمّاه إلى عقر الدول الإسلامية ذات المؤسّسات الدينيّة الصّارمة كمصر وإيران(الأزهر والنجف الأشرف)[3].
لكلّ هذا يبدو الدّفاع عن زواج القصّر,خطابا باليا ومتقادما وإن تسربل بالقداسة الدينيّة ,فقراءة الحقائق الدينيّة بالمنظور الإطلاقي اللاتاريخي الجمودي السلفي غدا مأزوما وعاجزا عن تقديم إجابات عن أسئلة عصريّة ,أعادت تعريف الحقوق والعدالة وفق قيم إنسانية ثقافية اجتمع عليها البشر وصار اقناعهم بعدالة متوهّمة وغيبيّة غير ممكنا ولا يتّسم بأدنى منطق أو موضوعيّة.لذلك لجأ المستنيرون الأسلاميّون إلى منظور تفسيري تجديدي ينطلق من النسبيّة التاريخيّة ويقرأ هذا الحدث الزواجي وفق منظور شامل ويعالجه كظاهرة عامّة في قرون سابقة تساوت حولها المواقف في كل الدّول.ففي القرن الثامن عشر وماقبله ذكرت الموسوعة البريطانيّة والصحيفة النفسيّة , أنّ زواج القصّر كان شيئا ثقافيا معروفا بعد البلوغ ولعمر أقلّه سبعة سنوات –عمر التمييز- في ذلك العرف , وهو أمر تسلّل من القوانين الرّومانيّة إلى الكنيسة ثم إلى القانون الإنجليزي العام وبالتالي كان مقرّا ومعترف به في أمريكا في خمسين ولاية في 1877 .وقد كان هذا في تفسيرهم مع إذدياد الإنجذاب الجنسي لدي الفتيات بعد البلوغ حيلة الطبيعة الأم أو خطّة ما إلهيّة تنتظم هذا الكون للحفاظ على النّوع الإنساني في قرون خلت بسبب تدني العلوم والمعارف الطبيّة .حيث ارتفعت معدلات الوفيات وقصرت فيها متوسطات طول العمر . فظهرت الحاجة لإمرأة بمقدورها أن تعطي طاقتها من الخصب من 8 أطفال فأكثر.[4] ممّا يعني أنّ مجتمعاتنا الإسلاميّة لا زالت تقدّم حلول القرن الثامن عشر لإنسان القرن الواحد وعشرين وشتّان بين قرن كانت الطبيعة تقود الإنسان فيه بلا وعي ,وإنسان يقود الطّبيعة ويتحكّم فيها جديرا بالإستخلاف وبكل الوعي!.ويمكن قراءة مجتمعنا السّوداني وفق نظريّة (التّحليل الفاعل)كمجتمع استغلقت عليه بنية الوعي التناسلي .فقد تحدّث الدكتور الشّيخ محمّد الشّيخ [5], عن مستويات ثلاثة لبنى الوعي هي بنية الوعي التناسلي والبرجوازي والخلاّق , والّتي تتواجد بنسب مختلفة في المجتمع الواحد بينما يسود إحداها وفقا لظروف المجتمع المعيّن. ومثال لذلك استغلاق بنية الوعي التناسلي على السّودان باعتبار ظروف الحرب والتخلّف التنموي وارتفاع معدّلات الوفيات والأمراض والفقر .وبالتالي التعدّد وزواج القصّر كإجابة على سؤال التنمية والإقتدار , ممّا يعني أنّ زواج القصّر هو دلالة ومؤشّر على تخلّف المجتمعات تنمويا وحضاريا. وبالتالي يمكن قراءة هذه المشكلة بتعقيداتها الكثيرة وفقا لتحليل بنية التخلّف .وإن كانت هذه الورقة ستعنى بالشأن النّفسي فلا بدّ لها من مناقشة وتحليل البني النفسيّة المصاحبة للتخلّف لمعرفة الدّوافع الحقيقية الواعية واللاواعية الّتي تؤسّس لزواج القصّر وتدافع عنه.وباعتبارها خطوة أساسيّة بإتّجاه الإفلات من هذه الدائرة المعيبة الّتي تعيد انتاج الجهل والإنتهاكات في إصرار شيطاني على سجن إمكانيّات المرأة وطاقاتها الإنسانيّة وإدّخارها كعلف الحفاظ على النّوع الإنساني .حيث لا يوجد طريق لبناء الإقتدار والكفاءة والرّفاه الإجتماعي والحضارة إلاّ عبر العلم , الحق الأساسي المنتهك في زواج القصّر والّذي يعوق كسر حلقة التخلّف الإجتماعي الّذي نرزح تحته
.بالإضافة للتعليم , يعتبر زواج القصّر تعدّي حقيقي على حق الطفلة في اللعب والمتعة والنمو السوي والصحّة . كما إنّه شكل صارخ من أشكال التمييز ضدّ المرأة إذ يقوم على مفاهيم أساسيّة تنمّط المرأة جنسيا وتتحامل عليها وصفيا حين تحكم عليها بالضعف والماسوشية والعاطفيّة اللامنطقية واللاعقلانيّة, والعورة والعبء والعجز وعدم الكفاءة ..كلّ ما يجعلها نقص بحاجة إلى تمام وعيب بحاجة إلى ستر وفعل ناقص لايجد كماله إلاّ في جملة اسميّه مبتداها وخبرها الزّوج والأطفال.
والإشكالات التي يتسبّب بها زواج القصّر أكثر من أن تعرّف وأشمل من أن تقصر على المرأة وحدها, وأعقد من أن يشملها بحث وحيد مع كل هذه التقاطعات التي يجتمع فيها الديني بالثقافي بالإجتماعي بالإقتصادي .لهذا ستضطلع هذه الورقةالأوليّة بالتعقيدات النفسيّة التي تصاحب زواج القصّر وتؤطّر له.
تفترض الورقة أساسا إن زواج القصّر غير مقبول بإعتبار عدم الجاهزيّة النفسيّة والعاطفيّة للطفلات في هذا العمر , حيث تناقش الورقة الموضوع بالتركيز على زواج الفتيات لأنّه الأكثر إنتشارا في السّودان.كما تفتح الورقة النّقاش حول محاور أساسيّة ضروريّة للتناول النّفسي وهي:
*مراحل النمو والتطور النفس إجتماعي للأطفال في هذا العمر(المراهقة الأولى والثانية.
*الزواج والضغوط.
*البلوغ (العاصفة والضغوط)..هل هو العمر المناسب للإلتزام الزواجي؟وهل هنالك مخاوف من رغبات جنسيّة تعصف بالفتاة وتجعل تزويجها ضروريّا؟
النمو والتطوّر:
إنّ الّذين يتحدّثون عن جاهزيّة الفتاة للزواج بعد البلوغ باعتبار النضج الجسدي قيد التطوّر يهملون النضج النّفسي الضروري للتواؤم مع تعقيدات الزواج العلائقيّةوالأموميّة والقانونيّة.
تعتبر نظرية التطوّر النّفسي الإجتماعي لإركسون إحدى المقاربات النظريّة الهامّة في فهم الحاجات والازمات النفسية الأجتماعية التي تساعد في توجيه التعامل مع الحاجات العاطفية /النفسية الأجتماعية في سائرالمراحل العمرية،حيث تقدم هذه النظرية اطارآ منظمآ لتطور الفرد ضمن المنظور التطوري الأجتماعي النفسي وتقوم علي خمسة مفاهيم متداخلة :
(1) مراحل التطور والنمو الأنساني .2/المهمات التطورية لكل مرحلة .3/الأزمات الأجتماعية النفسية .4/العمليات المركزية لحل الأزمات الأجتماعية النفسية .5/السلوك المتوائم الذي يولده الناس لمواجهة التحديات وبناء العلاقات في حياتهم . ففي فترة المراهقة المبكّرة مثلا ,أي من عمر 12-سنة إلى عمر18 سنة تكون المهمّة التطوّريّة لهذا العمر هو الشّعور بهوية المجموعة عبر القدرة على الإندماج في شلّة والتجاوب معها وإلاّ فإنّ فشل هذه المرحلة يتحول إلى شعور بالغربة يلازم المراهق في سنين حياته القادمة, لأنّ المهام التطوّريّة الّتي لا تتم معالجتها في مرحلتها يتم ترحيلها إلى مراحل أخرى بشكلها المأزوم ويصير علاجها أكثر صعوبة وتعذّرا.بينما بين عمر 18 وعمر 21 وعبر التّجريب بالأدوار الحياتيّة الّتي ينهض بها المراهق/ة , تنشأ وتضّح ملامح الهويّة الفرديّة والّتي يكون نتاج فشلها الهويّة المشوّشة والحدود المختلطة للأنا[6].وهو بالضّبط ما يحدث للفتاة التي تقتلع من سلّم تطوّرها الطبيعي وترحّل إلى مراحل لاحقة دون أن تكون مستعدة نفسيّا لهذه النقلة ودون حدود واضحة للأنا ما شرحته الصوفيّة النسويّة [7] بما يعرف بالخبرات العدميّة التي تختبرها المرأة في حياتها بلا جدواها ولا معنى لحياتها في لحظات تيقّظها الخاصة التي تشرق فتريها أنّهاتمنح بوجودها كلّ شئ معنى إلاّ وجودها نفسه!.كما إن المحاولات الذكوريّة لإقتناص المرأة في وقت باكر قبل إكتمال أناها ليست بريئة إطلاقا بشكل واعي أو لاواعي مهمّا تدثّرت بالشرعيّة الإجتماعيّة والثقافيّة.كما إنّها نتاج عقد وإشكالات تربويّة خاصّة بطرق التربية في المجتمعات المتخلّفة حيث يأخذ نظام القهر على المستوى اللاواعي شكل العلاقة السّادوماسوشيّة. (هنالك من ناحية طرف قاس, ظالم مستبد ينزل الأذى والعذاب بضحيّته لا يستطيع ان يحس بالوجود الا من خلال تبخيسها, وتسبيب الآلام لها , لايحس بالقوّة الاّ من خلال االتحقّق من ضعف الضحيّة الّذي هو سببه.جوهر الساديّة ولبّها هما علاقة سطوة , لا يستطيع المتسلّط السّادي أن يكون إلاّ من خلال التعزيز الدّائم لسطوته. وهذه لاتتعزّز الاّ من خلال إضعاف الطّرف الآخر في العلاقة وتصل غايتها عندما يعترف هذا الطّرف المازوشي بسطوة السّادي)[8].لهذا تعتبر الطفلة ضحيّة مثاليّة خانعة لرجل يشعر بعدم الثقة في نفسه ويريد أن يصب قلقه وشكوكه خارجه في شخص يكون أكثر ضعفا وجهلا منه وبالتالي يمكنه عبر قهره واسكاته تفريغ قلق الخصاء والهجر عليه وكل مشاعر الخوف من عدم الكفاءة الجنسيّة والإقتدار .لذلك تشير الدراسات إلى إرتفاع نسبة العنف المنزلي الموجّه للأم والأطفال في حالة صغر الوالدين[9] نتيجه للعديد من الأسباب على رأسها هذا الخنوع الّذي تشعر به المرأة ويجعلها عرضة للإعتداء.
كما إنّ الصبيّة المطلوبة للزواج في هذا العمر مهما كان زكاؤها أو عبقريّتها فإنّها عبر إقتلاعها من سلّم التّعليم تكون مكافئة لأيّا كان وضعه التعليمي وخبراته المعرفيّة ,وهو جانب آخر من جوانب إنتهاك الحقوق, وهو حرمانها من الإنتقائيّة العالية والمبنيّة على الوعي . ومن ثم عجزها المالي وتسليمها للرجل يتحكّم بها كيف يشاء .يتزوّج عليها أو يطلّقها متى ما عنّ له ذلك , لتجد نفسها غير مؤهّلة أكاديميا او وظيفيّا لتقوم بشأن نفسها وأسرتها مما يجعلها عرضة للإبتزاز والإذلال .وهذا هو جوهر الضّغوط النفسيّة المصاحبة للزواج في هذا العمر , عدم الشّعور بالأمن والعجز عن السيطرة على المصير هما المسؤلان عن وضعيّة القهر التي تحكم السياق العلائقي بين الرجال والنّساء في هذه الحالة الزواجيّة.
الزواج والضغوط:
يعتبر الزواج بتداعياته الكثيرة من( حمل , إنجاب ,طلاق , وفاة زوج, مشاكل زوجيّة) , أحد أهمّ مصادر الضغوط الحياتيّة الممرضة. كما إن مصطلح ضغط ذو دلالات نفسيّة وصحيّة خطيرة في علم النّفس على عكس التعامل الشّائع معه لدى العامّة ويعرّف بأنّه:
الضغوط stress [10] :استجابة غير محددة للجسد لما وضع فوقه من متطلبات او احتياجات تعتبر :
• مهدد للسلامة الجسدية او النفسية .
• مشكوك في مقدرة الجسم علي التعامل معها .
كما إنّ الجسم يتجاوب معه فسيولوجيا بالطرق الآتية :
بغض النظر عن سبب الضغط ، يتفاعل الجسد
ليوجه الحاله الطارئه بالاتي :
1. تفزز الكبد المزيد من السكر
2. زيادة في ضربات القلب والضغط ومعدل التنفس وتوتر العضلات مايعرف باستجابة ( الكر والفر).
هذه الاستجابة مفيدة في حالات الطوارئ ولكن ليس للتعامل مع مصادر الضغط المستمرّة , لذا يكون الشّخص المعرّض للضغوط بإستمرار عرضة للامراض الجسدية ( القرح ، القلب ، الضغط ، الالتهابات – حيث تقلل الضغوط المستمرّة المناعة -وغيرها ..كما هنالك ايضا الامراض النفسية العصابيّة بأنواعها المختلفة كإضطرابات القلق والإكتئاب والأمراض التحوليّة(الهستريا).الإنتكاسات المستمرّة في الأوضاع الصحيّة .وبالطّبع هنالك إختلاف بين الأفراد في الإستجابة للضغوط تعتمد على العوامل المعرفيّة والقدرة التواؤميّة للشخص المبنيّة على الخبرة والإدراك. فالتحكّم في الضّغوط يتطلّب جهد أكبر من مستوى الضغط ليحدث التواؤم.ولكي يتم هذا الأمر هنالك عوامل يجب أن تتوفر في الشّخص والموضوع الجالب للضغط. في الفرد تعتبر القدرات المعرفيةوالخبرات الحياتيّة, وتقدير الذّات والمهارات في التواؤم ووجود الدعم الاجتماعي, أشياء أساسيّة لرفع كفاءة الإنسان في مواجهة الضغوط. وجميعها –ربّما عدا الدعم الأسري أحيانا- شروط غير متوفّرة في الصبيّة القاصر .لا سيما تقدير الذات الذي ينبني أساسا على مفهوم إيجابي للذات ,ينبني بدوره على الدّور الّذي تلعبه في المجتمع والطريقة التي ينظر لك بها الآخرون والنماذج التي تتمثلها في حياتك وتتماهى معها.وفي مجتمع ذكوري –شوفيني , تظل المرأة في وعي الرّجل حالة دائمة من الفصام فهي مسقط كل عيب وعار ومصدر غواية وشرور وهي مثال الأمومة الصّافي , الطيبة المحبّة والتضحية.
أمّا الأشياء التي لها علاقة بمسبب الضغط فهي أنّه يسهل التنبؤ و التحكم به .والزواج بالطّبع مثال ناجح للضغط الذي يحمل هذه الصّفات ما كان الشّخص المتزوّج مؤهّلا وقادرا.وتكون العمليّة التواؤميّة الصّحيحة قائمة على القدرة على التحفيز..الاستباق .. التخطيط .التنفيذ...والانجاز..أشياء بالطّبع لا تمتلكها الصبيّة القاصر.
يقف خلف المناداة بزواج القصّر -خصوصا الفتيات-فكر سقيم , يخشى جسد المرأة ويود لو يراكم سجونه , وغير واثق في نفسه بالتالي يجد نفسه عرضة للغواية بمجرّد أنّ هنالك أنثى في الجوار . وبدل أن يصاحب عمليّة التنشأة والتربية , تمرين للرجال على التّعامل الإنساني مع المرأة , تبارك الغرائز والنزوات الرجالبة ويعترف بها مقابل إزالة الخطر المتمثّل في المرأة من طريقه ..! تنشأ المرأة فى مجتمعنا السودانى والمجتمعات الشبيهة فى ظل ثقافة تنمّط المرأة جنسيا وتعول فى تنشأتها على إعدادها لدور وحيد هو الأمومة والزواج بمعطيات لا علاقة لمفهوم الشراكة بها بل على طريقة التسلط والتبعيّة التاريخية .وهى تركز على جسد المرأة بطريقة تحيل الأمر الى هاجس او عقدة وعلى البكارة والختان بمفاهيم حماية معطوبة . كما تركز على المرأة بإعتبارها موضوعة جنسية لإمتاع الرجل بعد الزواج فى تأكيد مفرط على الحقوق دون الواجبات وبترك مسؤلية الأعباء المنزلية وتربية الأطفال على عاتقها وحدها مسؤلية يحاسبها عليها المجتمع فى بنية وعى كاملة لها تداعياتها على واقع ومستقبل المرأة فى ظل تغيرات كونية تنحو نحو المساواة بين الرجال والنساء وفى ظل ظروف إقتصاديّة سيئة تلقى بالمزيد من الأعباء على المرأة داخل وخارج المنزل [11]. يقول الدكتور مصطفى حجازى أن مظاهر واوجه الإستلاب الجنسى عديدة وتتضمن تناقضات هامة تجعل أوضاع المرأة مأزقية كما تفجر عندها الكثير من المآزم النفسيّة.(المرأة مجرّد جنس او اداة للجنس ووعاء للمتعة هذا الإختزال يؤدى مباشرة الى تضخيم البعد الجنسى للمرأةوعلى حساب بقية أبعاد حياتها . انه يمحور المرأة ويمركزها حول المسألة الجنسيّة, يركز كل قيمتها فى هذا البعد من حياتها كما يفجر كل مخاوفها الوجودية حول حلول كارثة ما تعصف بوجودها . هاجس المرأة قبل الزواج يتحول الى قلق حول غشاء البكارة وسلامته, والى قلق حول قدرات الجسد على حيازة إعجاب الرجل بضمان الزواج . وهذا يفجر عند المرأة اشد الرغبات واعظم المخاوف فى آن معا. تلك هى المعضلة الأولى التى تتعرض لها المرأةفى الإستلاب الجنسي خصوصا أنّها تعيش كيانهابشكل مهدد تتهدده الرغبات رغباتها الذاتية ورغبات الرجل خارج اطار الزواج وتتهدده الحوادث على إختلافها من تشويه وفقدان للبكارة وغيره)[12] ويأتى الإذدواج النفسى والفصام الأجتماعى من فكرة أن هذا الإختزال الجنسى للمرأة يقابله قمع مفرط ومن هنا جاءت مفاهيم العيب والحرام فيما يخص المرأة فجسدها هو ملك للأسرة قبل الزواج وللزوج واسرته بعد الزواج ومن هنا اتت جرائم الشرف وغيرها. ومن هنا أيضا تفتقت الذهنية المجتمعية عن الختان بمفهوم الحماية وتجريد المرأة من الرغبة والمتعة الجنسية معا.
البلوغ..الضغوط والعاصفة:
إنّ الإنحياز لزواج القصّر يصدر من موقف تقليدي تجاه الزواج , قائم على التبعيّة المطلقة للرجل,فالإطار الثّقافي , هو الّذي يحدّد أنماط الزواج وشروطه , وبالتالي في المجتمعات التقليديّة المتخلّفة, يفقد الزوجان قدرتهم على تحديد المصير إذ يتم الزواج وفقا لرغبات العشيرة لخلق أحلاف ومصاهرات وتعزيز العلاقات الأسريّة بين الأهل .وبالتالي لا يوجد مجال إختيار حر وواعي ومبني على العاطفة .فالشّخص الذي من المفترض أن تتوكّأ عليه في هذه الحياة قد يتحوّل إلى عبئ نفسي وواقعي , تتحمّله على مسؤليّاتك الكثيرة ومعاناتك الحقيقيّة في الحياة .كما إن شروط الزواج النّاجح يدخل فيه العمر والكفاءة والنضج والشروط الإقتصاديّة والإجتماعيّة النّاجحة. وتعتمد على جاهزية الزوجين للدخول في الزواج عن دراية مسبقة وإدراك تام .لذا تعتبر فترة البلوغ بتغيّراتها النفسية العاصفة ومشاعرها الجنسيّة المختلطة, فترة غير مناسبة لزجّ الطفلة في تجربة جنسيّة منظّمة هي ليست مستعدّة لها بعد . وربّما يكمن السّبب الجذري لحالات إغتصاب الأطفال التي إنتظمت الظهور بشكل إعلامي مكثّف مؤخرا , لإعتراف المجتمع بالرّغيات الجنسيّة الموجّهة نحو الأطفال . فلا فرق بين أن تستدرج طفلة إلى إساءة جنسيّة- كما يحدث في جوهر العمليّة القائمة على الإساءة الجنسيّة للأطفال غير المصحوبة بعنف وتهديد-وبين أن تستدرج ذات الطفلة وأهلها ومجتمعها تحت شرعيّة عرفيّة مهترئة لغصب براءة هذه الطفلة وتشويه عالمها العاطفي قيد التكوّن .إذ تكوِّن الفتاة في هذا العمر تصوّر للحب غير جنسي على الإطلاق , لديها أشواقها للأحضان والتقبيل فحسب, على عكس الصبية الأولاد الّذين تصحب تصوراتهم في هذه الفترة , فعلا جنسيّا مكتملا..!يقول د. الحفني:(الغالبيّة من البنات لا يرقى تخيّلهن لأكثر من العناق والقبل والأحضان, بينما الولد بطبعه يريد أن ينخرط بكلّ كيانه في الجنس ويولغ فيه , والإيلاج عنده غاية , في حين أن البنت يرضيها فقط معسول الكلام وتعيش التجربة الجنسيّة حالمة..)[13].بالتالي المخاوف على البنت في هذا العمر غير علميّة و نابعة من إشتراط تربوي تخضع له البنت منذ نشأتها بأنّها ضعيفة وسهلة الإغواء وسيغرّر بها وبالتالي يجب سترها وترحيل مسؤليّتها للزوج. وهذا أمر معروف منذ فجر التاريخ وفي كل المجتمعات ويتم إستغلاله بأبشع صورة ويمكن إعتبار رواية (أحدب نوتردام) لفكتور هيجو مثالا حيّا على ذلك حيث كانت أحلام أزميرالدا بطلة الرّواية التي تحمل تميمة لقاءها المرتقب بأسرتها والمشروطة بحفاظها على أسرتها ذات أحلام رومانسية لا تتعدّى ما ذكرناه في لقائها بحبيبها الّذي كان يتحمّل أشواقها السّاذجة ترقّبا لدفعها للتخلّي عن عذريّتها.
تعتبر فترة اليلوغ , مرحلة إنتقالية بين الطفولة وإمتيازاتها والمراهقة وإمتيازاتها. ونتيجة للوضع الإجتماعي المختلف بين النوعين , يرغب الصبية في الدّخول باكرا في مرحلة البلوغ لإمتيازات الرّجولة الكثيرة والحرّيات الّتي تستتبعها , لذلك كلّما تأخّر البلوغ ,تأزّم الصبي نفسيّا.بينما تخشى الفتيات البلوغ[14] وما يستتبعه من مسؤليّات عديدة للدخول في عالم الأنوثة ذو السّجون الكثيرة والمسؤليّات الأسريّة الجسيمة ( لعل البون الشّاسع بين المراهقة الجنسيّة والمراهقة النفسية, يفسّره الإضطّراب الّذي يقع فيه المراهق من ناحية تمثّله للهويّة الذكوريّة او الأنثويّة)[15].كما يصحب فترة البلوغ تغيّرات جسميّة قد تضع المراهق/ة قيد الإختلاف في الشّكل مع أقرانه وتفجّر عنده الكثير من المآزم النفسيّة .لكل ماسبق ذكره يعتبر بعض علماء النفس أن فترة البلوغ هي فترة ما سمّوه (بالضغوط والعاصفة)[16] على المستوى النّفسي والعلائقي وبالتالي لا يمكن إعتباره الفترة المناسبة للإختيار ولا الزواج خصوصا مع غياب الوعي الحقوقي والقانوني الذي يساعد المرأة وييسّر لها الحصول على الطّلاق متى ما تأزّم الوضع واستحال.
خاتمة:
لقد شكّلت الرؤية السلفيّة الدوغمائيّة للتاريخ الإسلامي سببا في الإرتداد عن مكاسب تاريخيّة حصّلتها المرأة بنضالاتها العديدة. وفي قضيّة زواج القصّر تحديدا يعد أيّ حديث عن شرط تاريخي وإجتماعي محدّد شرّع لأجله هذا الزواج غير علمي وغير مقبول , بإعتبار أن الصيرورة التاريخيّة لاتسمح بالعودة لنقطة البدء بتجاهل كل التراكمي المعرفي والإنساني . وزواج القصّر حيث أنّه مردود التخلّف الإجتماعي والإقتصادي والمعرفي والتنموي والصحّي ,في ظل التطور الأخير لا يسعنا الإرتداد نحو مرحلة سابقة لا تقدّم الاّ الإجابات العاجزة.خصوصا وإن الدّفاع عن زواج القصّر هو دلالة على الجهل المعرفي بالطبيعة الأنثوية والبلوغ كمرحلة نفسيّة والزواج كمؤسّسة تهدف لأكثر من الإنجاب وتتطلّع لشروط خاصّة قائمة على التكافؤ. والإنجاب كعمليّة قوامها التنشأة العلميّة وكما يقول د. بادي دفاعا عن تنظيم النّسل : (نحن عارفين الله أعظم ..والرِّزق بنزل مقسَّم ..
للمجاهد والمعسّم ..
والله ما شقَّالوا حنكا ضيّعو
والله ما سوَّالو طفلا ما سقاهو ورضَّعو
إلاّ اسمعو يا رفاق
الرضاعة خشم بيوت والسقاية خشم بيوت
والمعايش ماها قوت..
والمعذّب أخير يموت ...)
والحقيقة أنّ الطّفل يعذّب حقيقة بجهل والديه بالعمليّة التربويّة وزواج القصّر هو مثال فصيح على هذا حيث تعرّف الإساءة في المفاهيم الحديثة , أنّها ليست فقط إتيان عمل يعوّق النمو والتطوّر البدني و النّفسي الطبيعي وسائر عمليَّاّت نمو الطفل للخطر لكنها أيضا الإمتناع عن القيام بما من شأنه المساعدة في العمليات آنفة الذّكر . وبالتالي زواج القصّر هو إساءة من حيث أنَّه تعدّي حقيقي لحق الطفل/ة في النّمو المعرفي والصحّي والتعليم . كما إن تداعيات الزواج من حمل وإنجاب وتغيّرات نفسيّة مصاحبة ,أمر يصعّب على الصبيّات الصغيرات إدارة المؤسّسة الزوجية.وبالتالي أيّ حديث عن الجاهزيّة الجسديّة للزواج بعد الخامسة عشر هو جهل بما يعرف بالنضج والجاهزيّة النّفسيّة الضروريّة للزواج.
أخيرا يعتبر التعليم بمعنى الوعي ورفع القدرات , هو السبيل الوحيد لتغيير البيئة الإجتماعيّة والثقافيّة الحاضنة لزواج القصّر.خصوصا من النّاحية الدينيّة , بإعتبار أنّ التجربة المجتمعيّة في السّودان أثبتت أن الإرتداد عن المكاسب النسويّة باسم الدّين سهل مهما توهّمنا أن ماحصلنا عليه بدهي وراسخ والدّليل على ذلك كفاح المنظّمات الطوعيّة لختان الإناث لأكثر من نصف قرن , وفي الوقت الّذي استوى فيه واستغلظ على سوقه ليحين حصاده , إنتهينا بقرار في طريقه لإجازة الختان الشّرعي ..عود على صفّين جديدة.. ذات المصاحف وذات الأسنّة والرماح والإستنارة تقتلها الفئة الباغية .[17]
فوبيا , مصطلح طبّي يعني رهاب أو خوف مرضي .[1]
يمكن رؤية الصورة في البحث الذي قدّمه د. صلاح عمر الصادق عن القيم الجمالية في المجتمعات القديم ة , مملكة مروي نموذجا في ندوة المرأة في الحياة العامّة مارس 2003 . التي نظّمها وجمع مداولاتها في كتاب بنفس الإسم مركز الدراسات السودانيّة .[2]
[3] أوضحت دراسة أجريت في الأردن ومصر وإيران , الموقف الالعام في ثلاثة بلدان عربيّة من الرّأي القائل إن الزواج مؤسّسة عفا عليها الزمن , أن ما يقارب من عشرين بالمائة من الشباب الإيراني تقريبا يوافقون وعددا مقاربا لهم من الشباب الأردني ونسبة ضئيلة من الشّباب المصري(أنتوني غدنز, علم الإجتماع ص263 )
[4] Early marriage in history of Islam part 1 .www.springerlink.com/index/.
[5] د. الشيخ محمّد الشيخ. نظريّة التحليل الفاعل
[6] الدكتور حسين أبوريّاش وآخرون .الإساءة والجندر.دار الفكر.الطبعة الأولى 2006 .ص26 .
[7] كارول بي كريست.الصوفيّة النسويّة
[8] د. مصطفى حجازي.التخلف الإجتماعي,مدخل إلى سيكولوجيّة الإنسان الالمقهورمعهد الإنماء العربي. الطبعة السابعة1998 .ص79
[9]الإساءة والجندر.مصدر سابق.ص51 .
[10] Stress and Coping. Abd-Alazia. A.Omer. Sheets in Psychology.
[11].2008 . د.ناهد محمد الحسن.الجنسانيّة من منظور النّوع ..مدخل حقوقي.ورشة تدريب الإعلاميين على مكافحة الختان .مركز الجندر
[12] مدخل إلى سيكولوجيّة الإنسان المقهور. مصدر سابق.ص192-193
[13] د.عبد المنعم الحفني .الموسوعة النفسيّة الجنسيّة .مكتبة مدبولي .الطبعة الرّابعة2002 .ص106 ..
[14] Nicky Hayes .Foundations of Psychology. Second edition P 523.
[15] د.الحفني .مصدر سابق.ص 101 .
[16] Nicky Hayes .P522.
[17] إشارة لقرار مجلس الوزراء بتاريخ 5/2/2009 القاضي بسحب المادّة 13 من مشروع قانون الطّفل بغرض تمرير قانون يجيز الختان الشرعي ..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق